محمد بن وليد الطرطوشي
402
سراج الملوك
الباب الخامس والخمسين في معرفة حسن الخلق اعلموا أرشدكم اللّه تعالى : أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه ( وقلبوا القوس ركوة ) « 1 » فعمدوا إلى أخلاق العامة ، وخلائق الغوغاء والأدنياء وما يجرى بينهم إذا تلاقوا وتعاشروا ، من الإفراط في مدح بعضهم بعضا ، وتعاطيهم الكذب والتصنّع والملق « 2 » والمراءاة والمعاريض « 3 » عن الأمور المكنونة التي يسوء إظهارها ، والانخراط في سلك المزاح والمهاترة ، فهذا وما أشبهه عندهم من حسن الخلق ، وهو عندنا نقيض ما نص اللّه تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق . فأول ذلك : أن تعلم أنه لم تحتو « 4 » الأرض على بشر ، أحسن خلقا من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكل من تخلق بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو قاربها ، أو بعضها ، كان أحسن الناس خلقا ، وكل خلق ليس يعد من أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم فليس من حسن الخلق . وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل ، وإنما أوتى الناس في هذا الباب ، لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية ، واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء والمرسلين ، والأولياء والأصفياء ، والعلماء والصالحين ، ما نرجو أن ينفعنا اللّه وإياك به . قال اللّه تعالى لنبيه وصفيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] فخص اللّه نبيه من كريم الطباع ، ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم ، والصفح وحسن العهد ، بما لم يؤته غيره ، ثم ما أثنى اللّه تعالى عليه بشيء من فضائله ، بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
--> ( 1 ) مثل يضرب في انقلاب الأمور ، ومعلوم أن القوس آلة على شكل نصف دائرة ترمى بها السهام ، والركوة : إناء صغير يشرب فيه الماء . ( 2 ) الملق : التملق والنفاق . ( 3 ) المعاريض : خلاف المصرّح به . ( 4 ) تحتوى : تضم وتحرز .